في هدوء بعيدًا عن الضجيج، يشهد ملف التصالح في مخالفات البناء تحولًا ملحوظًا في طريقة تعامل الدولة مع واحدة من أكثر القضايا العمرانية تعقيدًا، بعد سنوات طويلة من الشد والجذب بين المواطن والجهات التنفيذية.
فالقرارات والتصريحات الحكومية الأخيرة، وعلى رأسها تفعيل أحكام قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023، والتعديلات التي طرأت على لائحته التنفيذية، تعكس تغييرًا واضحًا في فلسفة إدارة الملف، من منطق الإزالة والصدام، إلى منطق التقنين والتنظيم.
من العقوبة إلى الاحتواء
القراءة المتأنية للتعديلات الجديدة تكشف أن الدولة لم تكتفِ بتعديل النصوص، بل أعادت النظر في طريقة التطبيق نفسها، وهو ما ظهر في:
مد مهلة التصالح لإتاحة فرصة أوسع للمواطنين
توسيع الجهات المعتمدة لإصدار التقارير الهندسية
إعادة فتح الباب أمام ملفات سبق رفضها لأسباب إجرائية
وفي هذا السياق، قال المهندس رائد ثروت، المتخصص في شؤون البناء وتقنين أوضاع المخالفات، إن «القانون الجديد لا ينظر إلى المخالفة باعتبارها جريمة دائمة، بل واقعًا قائمًا يجب التعامل معه بعقلانية وتنظيمه وفق ضوابط هندسية واضحة».
وأضاف أن التعديلات الأخيرة عالجت واحدة من أكبر أزمات التطبيق السابقة، وهي تعقيد الإجراءات وتضارب التقديرات، وهو ما كان يتسبب في تعثر آلاف الملفات رغم سلامة موقفها الإنشائي.
تمديد المهلة.. رسالة طمأنة
قرار مد مهلة التصالح لعدة أشهر إضافية حمل رسالة واضحة للمواطنين، مفادها أن الدولة تدرك حجم التراكمات السابقة، وتسعى إلى إنهاء الملف دون الإضرار بالاستقرار المجتمعي.
ويؤكد المهندس رائد ثروت أن «التمديد منح فرصة حقيقية للملفات الجادة التي تعطلت بسبب نقص مستند أو تقرير، وأعاد الأمل لعدد كبير من الحالات التي كانت عالقة لسنوات».
خصم 25%.. تحفيز عملي
ومن أبرز القرارات التي لاقت اهتمامًا واسعًا، إقرار خصم يصل إلى 25% من قيمة التصالح في حال السداد الفوري لبعض المخالفات المستقرة والمأهولة، وهو ما اعتبره متخصصون تحولًا من منطق التحصيل الأقصى إلى منطق التحصيل الواقعي.
وأشار ثروت إلى أن «الخصم يمثل حافزًا حقيقيًا للمواطن الجاد في التقنين، ويشجع على إنهاء الملفات بدل تركها في دائرة المخالفة».
75% غرف سطح.. إعادة تعريف السطح
بعيدًا عن ملف التصالح، جاء قرار السماح بزيادة نسبة البناء بغرف السطح حتى 75% في المدن الجديدة ليشكل نقلة نوعية في الفكر التخطيطي والعمراني.
فالسطح، الذي كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره مساحة إشكالية أو مخالفة محتملة، أصبح اليوم أصلًا عقاريًا يمكن استثماره بشكل قانوني، سواء بإضافة غرفة سكنية، أو مساحة خدمية، أو وحدة مستقلة وفق الضوابط المعتمدة.
ويرى متخصصون أن القرار ساهم في:
تعظيم القيمة السوقية للعقار
إعادة تنظيم استخدام الأسطح
فتح باب استثمار مشروع لصغار الملاك دون ضغط عمراني جديد
الخبرة تصنع الفارق
ورغم وضوح الإطار القانوني، يبقى التطبيق العملي هو الفيصل في قبول أو رفض الطلبات، إذ يؤكد خبراء أن إعداد الملف الفني والهندسي بشكل صحيح هو العامل الحاسم في نجاح التصالح.
وفي هذا الإطار، برز دور الشركات الاستشارية المتخصصة التي تمتلك خبرة ميدانية في التعامل مع لجان التصالح وأجهزة المدن، ومن بينها ريماك جروب، التي اعتمدت خلال الفترة الماضية على حلول هندسية وقانونية متكاملة لمعالجة ملفات معقدة، بعيدًا عن الأساليب العشوائية التي كانت سببًا رئيسيًا في رفض العديد من الطلبات سابقًا.
الخلاصة
ما تشهده مصر حاليًا في ملف التصالح ليس مجرد إجراء مؤقت، بل محاولة جادة لإغلاق واحدة من أعقد القضايا العمرانية بشكل منظم ومتوازن، يراعي حق الدولة في التنظيم، وحق المواطن في الاستقرار.
والرسالة باتت واضحة:
التقنين الآن فرصة حقيقية.. والتأجيل مخاطرة.
المهندس رائد ثروت
استشاري تقنين أوضاع ومخالفات البناء
مدير شركة ريماك جروب للاستشارات الهندسية
