في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد التهديدات التي تواجه المجتمعات مقتصرة على السلاح أو الاقتصاد، بل برزت الانحرافات الفكرية كأحد أخطر التحديات الصامتة التي تضرب وعي الأفراد، وتُربك منظومة القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية، مهددةً استقرار المجتمعات وأمنها الفكري.
هذا ما تناوله بحث علمي أعده دكتور كيرلس ثابت سعد، قُدم خلال مؤتمر “انحرافات الفكر والسلوك” المنعقد في 15 أغسطس، والمنظم من أكاديمية أون لاين – التعليم المدني بالجزيرة، حيث ناقش البحث الظاهرة من منظور علمي نفسي واجتماعي وتربوي متكامل.
ما هو الانحراف الفكري؟
يشير البحث إلى أن الانحراف الفكري يتمثل في تبني أفكار غير متوازنة أو متطرفة، تتعارض مع الثوابت الدينية أو القيم المجتمعية، وقد يظهر في صور متعددة مثل:
• التطرف الديني أو السياسي
• الإلحاد والشكوكية
• الفكر المادي والعلموي المتطرف
• نظرية المؤامرة
• النسوية الراديكالية الهدّامة
• العنصرية والأفكار القومية المتطرفة
وهي أنماط فكرية قد تبدأ بأسئلة مشروعة، لكنها تنتهي بانحراف خطير إذا غابت المنهجية العلمية والحوار الواعي.
أسباب متعددة وجذور عميقة
يوضح البحث أن الانحرافات الفكرية ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تداخل معقد لعدة أسباب، من أبرزها:
• أسباب نفسية: ضعف الهوية، القلق الوجودي، فقدان الانتماء
• أسباب اجتماعية: التفكك الأسري، العزلة الاجتماعية، ضعف التنشئة
• أسباب تربوية ودينية: سوء الفهم الديني، الخطاب المتشدد أو الغامض، تسييس الدين
• أسباب إعلامية ورقمية: التعرض غير المنضبط للمحتوى الرقمي، وانتشار خطاب التطرف عبر المنصات
آثار خطيرة على الفرد والمجتمع
يحذر البحث من أن آثار الانحراف الفكري لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد لتشمل:
• اضطرابات نفسية وفقدان التوازن
• تصدع العلاقات الأسرية
• انتشار العنف والكراهية داخل المجتمع
• تهديد الأمن القومي واستنزاف موارد الدولة في مواجهة التطرف
نماذج واقعية من الميدان
استعرض البحث نماذج ودراسات حالة واقعية، من بينها:
• انجراف بعض طلاب الجامعات نحو التطرف نتيجة العزلة الفكرية والتأثير الرقمي
• انتشار الإلحاد بين فئات شبابية كرد فعل على خطاب ديني غير مقنع
• التأثير العميق لمنصات مثل تيك توك ويوتيوب في تشكيل وعي المراهقين دون رقابة تربوية
المواجهة تبدأ بالفكر لا بالقمع
يؤكد دكتور كيرلس ثابت سعد أن مواجهة الانحراف الفكري لا تكون بالردع الأمني وحده، بل عبر:
• أسرة واعية قائمة على الحوار
• تعليم يُنمّي التفكير النقدي
• إعلام تنويري مسؤول
• خطاب ديني متجدد
• تشريعات تحمي الأمن الفكري دون قمع الحريات
رسالة ختامية
يخلص البحث إلى أن الانحراف الفكري تحدٍ حضاري شامل، يتطلب رؤية بعيدة المدى وتكاملًا بين مؤسسات الدولة والمجتمع، فبناء الإنسان الواعي هو خط الدفاع الأول عن الأوطان.


