بقلم / القمص سرجيوس لطيف
كنيسة العذراء مريم والملاك ميخائيل – الحوامدية
وكيل مطرانية طموه لشؤون الأحوال الشخصية
في فترة الخماسين المقدسة، تقدم الكنيسة القبطية رؤية روحية عميقة لأبعاد الشفاء والاستنارة، إذ ترسم من خلال طقوسها وتعاليم آبائها طريق العودة إلى الفردوس، حيث يحيا الإنسان في حضرة القيامة بفرح لا يُنزع.
تُعلّمنا الكنيسة أن الخماسين ليست مجرد فترة زمنية، بل هي “زمن خارج الزمن”، تتحول فيه العبادة إلى أيقونة حيّة للفردوس. ففي هذه الأيام، يُفتح باب الهيكل باستمرار، وتغيب الألحان الحزينة، ولا تُمارس الميطانيات، وكأن الكنيسة تدعونا لنختبر عربون الحياة الأبدية ونحن بعد على الأرض. فالقيامة لم تكن مجرد عودة للحياة، بل إعلانًا لمجد الطبيعة البشرية في أبهى صورها.
ومن خلال تأملات أحد توما، تبرز الكنيسة مفهوم “اللمس الروحي”، حين سمح السيد المسيح لتوما أن يلمس جراحه. وفي هذا السياق يقول القديس ساويرس الأنطاكي: “لم تكن الجراح في جسد القائم من بين الأموات دليلًا على الضعف، بل كانت أوسمة نصرة، لكي يلمس الشكاك الشفاء في مواضع الألم.” وهنا تكمن الدعوة لكل نفس أن تقدم جراحها النفسية والروحية للمسيح القائم، ليحوّل الألم إلى شهادة حية.
كما تضع الكنيسة أمامنا إنجيل تلميذي عمواس كمنهج روحي متكامل، حيث يكشف هذا الحدث عن سر “الطريق” والاستنارة بالكلمة والسر. فلم تنفتح أعين التلميذين إلا عندما “فسّر لهما الكتب” ثم “كسر الخبز”. ويعلّق العلامة أوريجانوس قائلاً: “المسيح يمشي مع كل نفس حزينة في طريق غربتها، وعندما تشتعل القلوب بمحبة الكتب المقدسة، يتجلى الرب فيها بكسر الخبز (الإفخارستيا).”
وفي الخماسين أيضًا، تعلن الكنيسة تحرر الإنسان من الخوف. فكما كان التلاميذ مجتمعين والأبواب مغلقة بسبب الخوف، جاء المسيح ووقف في الوسط وقال: “سلام لكم”. إن القيامة هي كسر لكل الأبواب المغلقة، سواء كانت أبواب القبر أو العليّة أو القلب المنغلق على ذاته. ويؤكد القديس أثناسيوس الرسولي: “بما أن الرب قام، فقد بطل سلطان الموت، وصار المؤمنون بالمسيح يطأون الموت كأنه لا شيء، مفضلين أن يموتوا في سبيل الشهادة للمسيح على أن ينكروا قيامته.”
ومع بلوغ اليوم الأربعين من الخماسين، تحتفل الكنيسة بعيد الصعود، حيث تكتمل مسيرة الخلاص برفع الطبيعة البشرية إلى السماء. فالقيامة التي بدأت بالنزول إلى الجحيم لتحرير الأسرى، تُتوَّج بالصعود وجلوس طبيعتنا عن يمين الآب. وهنا لا يقتصر الفرح على النجاة من الموت، بل يمتد إلى إدراك مكانتنا الجديدة، إذ “سيرتنا نحن هي في السماوات”.
وعلى المستوى العملي، تدعونا الخماسين إلى حياة مملوءة بالتسبيح بدلًا من النوح، فنواجه الضيقات بإعلان القيامة: “إخريستوس آنيستي” (المسيح قام). كما تدعونا إلى البحث عن المسيح في حياتنا اليومية، في الآخرين، وفي البسطاء والمحتاجين، كما حدث مع تلميذي عمواس. كذلك تمنحنا القيامة يقين الغلبة، فلا نتعامل مع الخطية كعدو لا يُقهر، بل كعدو مهزوم بالفعل عند القبر.
ختامًا، تبقى الخماسين المقدسة فترة استرداد الكرامة الإنسانية، حيث يستعيد الإنسان دعوته كابن لله ووارث للملكوت. وكما ترتل الكنيسة: “يا ملك السلام أعطنا سلامك”، فإننا نطلب سلام القائم من بين الأموات، ذلك السلام الذي لا يستطيع العالم أن يمنحه.


