الدكتور
محمد صابر حفلش
دكتوراه إدارة الأعمال – جامعة نيويورك للدراسات المهنية
محاضر أكاديمي معتمد للعلوم الإدارية
مستشار بلجنة تقصي الحقائق بالمنظمة الدولية لحقوق الإنسان
وكيل أكاديمية أكاكوس لإدارة الأعمال
مدرب TOT دولي معتمد
يُجمع المؤرخون والباحثون المنصفون على أن ظهور النبي محمد ﷺ لم يكن مجرد حدث ديني فحسب، بل كان نقطة تحوّل إنسانية عظيمة أسّست لمنظومة من القيم والمبادئ التي أصبحت اليوم جوهر ما تُسميه المنظمات الدولية “حقوق الإنسان”. فرغم أن هذه المنظمات لم تظهر إلا في القرن العشرين، فإن المبادئ التي نادت بها هي في الأصل قيم جسّدها النبي ﷺ قولًا وفعلًا قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.
أولًا: العدالة مبدأٌ ثابت لا يخضع للأهواء
أقام النبي ﷺ نظامًا للعدالة يقوم على المساواة المطلقة بين الناس، فكان يحكم بين الغني والفقير، السيد والعبد، القريب والبعيد، دون تمييز. ومن أشهر الأمثلة:
حادثة المخزومية التي سرقت، حين طالب بعضهم بالتخفيف عنها لوجاهة قبيلتها، فقال ﷺ:
“وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”،
في تجسيد واضح لقاعدة المساواة أمام القانون.
وكان ﷺ يستمع للشاكين بنفسه، ويُصحّح الحكم حتى لو كان ضد نفسه؛ إذ قال:
“إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ…”، مؤكدًا أن العدالة فوق الشخص والسلطة.
ثانيًا: كرامة الإنسان أساس التشريع
أسّس الإسلام لنظام يقوم على تكريم الإنسان بغضّ النظر عن جنسه أو لونه أو نسبه أو دينه، ومن مظاهر ذلك:
• قوله تعالى: “ولقد كرّمنا بني آدم”، قاعدة سبقت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأربعة عشر قرنًا.
• تحريم الإيذاء والإهانة والتنمر.
• جعل الكلمة الطيبة صدقة.
• تحرير الإنسانية من القيود القبلية والعرقية، ويتجلى ذلك في خطبة الوداع:
“لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى”.
ثالثًا: حماية حقوق الضعفاء والمهمّشين
1. حقوق المرأة
• منع وأد البنات.
• رفع شأن المرأة إنسانةً وصاحبة ذمة مالية مستقلة.
• إقرار حقها في الميراث والاختيار والمعاملة الكريمة.
• قوله ﷺ: “استوصوا بالنساء خيرًا”.
2. حقوق الأطفال
• الدعوة للرحمة واللين.
• تحريم ضربهم بغير حق.
• كان ﷺ يقبّل الحسن والحسين ويقول: “من لا يَرحم لا يُرحم”.
3. حقوق الفقراء والمساكين
• جعل التكافل الاجتماعي أساسًا لبناء المجتمع.
• الزكاة والصدقة وكفالة اليتيم.
• قوله ﷺ: “اللهم أحيني مسكينًا…”.
رابعًا: الحقوق الدينية والأقليات
أسّس النبي ﷺ أول دستور مدني في التاريخ، صحيفة المدينة، التي ضمنت:
• حرية الاعتقاد والعبادة.
• حماية دور العبادة.
• المساواة في الحقوق والواجبات.
• قيام مبدأ المواطنة قبل القبيلة والدين.
وهي وثيقة تُعدّ أساسًا لمفهوم “الدولة المدنية التعاقدية”.
خامسًا: سيادة القانون ومنع الظلم
كان ﷺ يؤكد أن أساس خراب الأمم هو الظلم:
“اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”.
فمنع الظلم في الحكم، والتجارة، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية، وجعل القصاص وسيلة لتحقيق عدالة بلا تمييز.
سادسًا: السلم والإنسانية فوق الحرب والانتقام
حتى في الحروب سنَّ ﷺ قواعد لم يعرفها العالم إلا حديثًا:
• تحريم قتل النساء والأطفال والرهبان.
• منع قطع الأشجار وإفساد البيئة.
• احترام الأسرى والإحسان إليهم.
• إطلاق الكثير منهم بلا مقابل.
وكان الصحابة يقدمون الطعام للأسرى قبل أنفسهم التزامًا بتوجيهاته ﷺ.
في الختام
إن النبي محمد ﷺ قدّم نموذجًا إنسانيًا عالميًا سبق به كل المفكرين والدساتير الحديثة.
فما تنادي به المنظمات الدولية اليوم من:
حقوق الإنسان، العدالة، المساواة، الحريات، حماية المستضعفين، التعايش السلمي…
كلها قيم نبويّة أصيلة أسّسها وطبّقها قبل أن تُدوّن في مواثيق.
ودراسة سيرته ﷺ هي استلهام لأسمى صور العدالة الإنسانية الخالدة.
🌹🌹🌹🌹🌹🌹


